الأردن: الولد الخفي

نوفمبر 22, 2016

تبرّع
الأردن: الولد الخفي MSF

 

د. ناتالي ثيرتل،

رئيسة الفريق الطبي في منظمة أطباء بلا حدود، مشروع الرقبان، الحدود الاردنية / السورية

 

عمران. إيلان. وجوه سوريا. لاقى العديد من أطفال سوريا مصير عمران وإيلان وتم شرح ذلك ببلاغة في السابق دون الحاجة إلى الإسهاب في الموضوع. ولكن للأسف لا يمكن التنبؤ بالقولبة الغامضة التي تولد الاهتمام الضخم من وسائل الإعلام بطفل معيّن أو حالة محدّدة، كذلك لا يمكن التنبؤ بالتأثير الذي يحدثه هذا الاهتمام العابر.

 

هل تغيّر أي شيء بعد العثور على جثّة الطفل إيلان الكردي على الشاطئ؟ هل تغير أي شيء قبل ثلاث سنوات عندما تم عرض صور مئات الجثث الصغيرة المغطاة التي قتلت في هجوم بغاز السارين على العالم أجمع؟ هل تغيّر أي شيء بعد وفاة عمران أو بعد وفاة أخيه؟ البعض يصرّ على تسليط الضوء على سوريا كي يستجيب الأشخاص ويُلقوا ولو نظرة خاطفة على سوريا عسى أن يهتم العالم أخيراً لما يجري فيها. هناك سوابق في الوصول إلى نقطة اللاعودة، حيث الغضب يجبر أخيراً على التغيير، إلا أن حاجز التغيير مرتفع بصورة غير مقبولة بالنسبة لسوريا.

 

منذ خمسة شهور، وصلتُ إلى بلدة مهجورة شرق الأردن لتولي قيادة فريق الطب الميداني في سياق استجابة منظمة أطباء بلا حدود للوضع الإنساني في الرقبان على الحدود الأردنية/ السورية. ثمانون ألف شخص احتجزوا بين ساترين ترابيين بعد أن بدأت الأردن بتشديد إجراءاتها ومن ثم إغلاق الحدود في 21 حزيران/ يونيو إثر مقتل 7 جنود أردنيين في انفجار سيارة مفخخة. لم تتمكن منظمة أطباء بلا حدود من الوصول إلى هؤلاء الناس ومنذ ذلك الحين وهم محرومون من أية رعاية صحية. فهم يحصلون على أقل من نصف كمية المياه اللازمة. ومنذ 21 حزيران / يونيو لم يحصلوا سوى على دفعة غذائية واحدة تم تسليمها بالرافعة. هناك تصل الحرارة أحياناً إلى 50 درجة مئوية في الظل فضلاً عن أن تلك المنطقة غير آمنة؛ فالغارات الجوية القريبة أمر شائع في المخيم. وبالنسبة للأشخاص الذين حصلوا على المساعدات الغذائية، فقد نفذ الطعام لديهم في 1 أيلول/ سبتمبر وليس هناك أية خطط أخرى لتوزيع المزيد. ثمانون ألف شخص تقطعت بهم السبل في الصحراء دون أية إمكانية للرجوع أو التقدم أو حتى الاستمرار حيث هم اليوم. لقد تم إقصاؤهم عن الوجود بخبث فيما الركود والطريق المسدود يتخذان مظهر البحث عن الحل.

 

أنا الطبيبة الوحيدة من منظمة أطباء بلا حدود المتمركزة هنا وغالباً ما يطرح الناس علي هذه الأسئلة: ماذا تفعلين طيلة اليوم؟ هل تشعرين بالملل؟ ما الجدوى من وجودكِ هنا؟ متى سترحل منظمة أطباء بلا حدود؟ لكن أحداً لن يطرح هذه الأسئلة على شخص يحمل طفلاً أخرجه من مبنى مشتعل، وهم مع ذلك يطرحونها علي. ويعود السبب بذلك الى طريقة نظر هؤلاء الأشخاص إلى المشكلة. هل هو وضوح رؤيتهم أو بالأحرى احتجاب الرؤية عندهم تماماً عن هذه المشكلة.

 

لا أستطيع أن أصل إلى مرضاي. لا أستطيع خياطة جروحهم، ولا أستطيع تعليق السائل الوريدي لهم أو اعطاءهم المضادات الحيوية المنقذة للحياة. لا أستطيع أن أرعى نساءهم خلال الولادة أو أمنع موتهن اثناء الولادة. لا أستطيع أن أعالج التهاب الكبد الوبائي الذي أعرف أنه ترسّخ فيهم منذ أن تعذّر على منظمة أطباء بلا حدود الوصول إليهم.

 

ولكن يمكننا أن نسلط الضوء عليهم.

 

سوف أكتب عن ولد افتراضي. ولد قد يتواجد في الرقبان، ولكننا لن نعرف عنه أبداً، إذ لا يمكننا الوصول إليه.

 

ابراهيم في السادسة من العمر. لم يعرف وقتاً لم يكن النزاع محيطاً به. لذلك، يعتقد أن هذه هي الحياة الطبيعية ويستمر غير مبال كما يفعل الأطفال غالباً. وصل مع عائلته إلى الرقبان في كانون الثاني/ يناير، هرباً من الجوع والرعب وأملاً في إيجاد مكان آمن. وهم هناك منذ ذلك الحين.

 

لإبراهيم أخ اسمه علي يبلغ من العمر ثماني سنوات وبينهما منافسة ملحوظة. في سياق خيارات اللعب المحدودة في الرقبان، تنحصر الألعاب بين مطاردة بعضهما البعض في الأرجاء ولعبة الغميضة.

 

والدة ابراهيم ترعى الولدين بنفسها فقد قتل والدهما في غارة جوية، وكان ذلك الدافع الرئيسي لمجيئهم إلى الرقبان. تناضل الوالدة مع ابراهيم وشقيقه وطفلة تبلغ الواحدة من العمر، فمواردهم محدودة جداً وقد استنزفوا كل ما لديهم تقريباً للوصول إلى الرقبان.

 

قبل بضعة أيام، كانت والدة ابراهيم تطهي الحساء على النار المكشوفة في خيمتهم فيما ابراهيم وعلي يلعبان في الخارج. يركضان بسرعة بين المنحدرات والخيم تحت الشمس الحارقة. الغبار الأحمر يتطاير في كل مكان ويستقر في شقوق وتصدعات بشرتهما البنية الجافة.

 

طوال حياته كان علي أسرع من ابراهيم. ولكن مع تقدم ابراهيم في السن تمكن من اللحاق بأخيه. كانت الديناميكية بينهما تتغير، فعلي بدأ يفقد مزاياه ولذلك بدأ يصاب بالإحباط. صرخت عليهما والدتهما، فهي تغضب بسهولة هذه الأيام وهم يتجنبون إزعاجها. هرعا بالعودة إلى الخيمة وكان ابراهيم يتقدم. فما كان من علي إلا أن أمسك حجراً وصرخ باسم اخيه وهو يدخل إلى الخيمة، فنظر ابراهيم إلى الوراء عندما كان علي يرمي الحجر.

 

تابع ابراهيم الركض إلى الخيمة بأقصى سرعته لتجنب الحجر، فتعثر بشقيقته الصغيرة ووقع في النار ورمى بالقدر المغلي على رجليه.

 

صراخه منع علي من الدخول إلى الخيمة فركض واختبأ. أسرعت والدتهما إلى سحب ابراهيم من النار ودحرجته على الأرض ولكن بعد فوات الأوان فالحروق تمكنت من ساقيه. لم يكن لديهم ماء لإسرافه على الإسعافات الأولية.

 

هرع أفراد آخرون من المخيم على صراخ ابراهيم المتواصل وقاموا بجمع بعض المال ليتمكنوا من الذهاب إلى إحدى الممرضات الموجودات في المخيم. فالتكلفة لرؤية الممرضة هو دولار واحد، ويزيد المبلغ بحسب العلاج، رغم عدم توفر الإمدادات الكافية.

 

تمكن ابراهيم من معالجة ساقيه مرة واحدة وأعطي قرصاً واحداً من الباراسيتامول. هو يقبع في المنزل حالياً، لم يقم أحد برفع الضمادات، ولا أحد يعرف مدى سوء الحروق وما إذا كانت سطحية أو عميقة أو ملتهبة. لم يأخذ أحد صورة له ولم يقم أحد بنشر صورته على مواقع التواصل الاجتماعي. لا أحد خارج الرقبان يعرف أي شيء عن الحادثة. الذنب يتآكل علي ووالدته وكأنه خطأهما.

 

قصة ابراهيم خيالية ولا بدّ أن أشدد على ذلك. ولكن بوجود حوالي 80.000 شخص يعيشون بالطريقة التي يعيش بها الأشخاص في الرقبان، تحدث مثل هذه القصص ولكننا لا نعرف شيئا عنها. نحن نعلم أن الوضع السياسي معقد جداً، ولكن هناك واجب أخلاقي يقضي بمنح منظمة أطباء بلا حدود حقّ الوصول إلى هؤلاء الأشخاص، لتتمكن من معالجة الأطفال مثل ابراهيم وتقديم الرعاية الى المرضى من جديد. يجب أن نصل إليهم. علينا أن نمنح العالم نظرة أخرى عن سوريا ونثير الغضب لبلوغ نقطة التحول وإحداث التغيير.

 

 

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة