تقول مديرة أنشطة الصحة النفسية مع أطباء بلا حدود في شمال غرب سوريا، رميزة الشيخ، "في نهاية جلسة توعية حول الانتحار، قال لي مريض مقتبسًا الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ’نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا‘. فتعلّق الناس بهذه الحياة ما زال عميقًا حتى في وجه كل المعاناة التي يقاسونها".
وبعد أكثر من 13 عامًا من الحرب والنزوح والأزمات الإنسانية المستمرة، وكل المعاناة التي رافقتها، تأتي أزمة الصحة النفسية كنتيجة حتمية وواسعة النطاق لتؤثر على عدد هائل من الناس.
آثار الحرب المستمرة
يقطن شمال غرب سوريا أكثر من أربعة ملايين شخص في ظروف قاسية، من بينهم 3.5 مليون نازح. يعيش هؤلاء في خيام عفا عليها الزمن، ويكافح الآباء والأمهات للعثور على الطعام لأطفالهم، في حين أمسى الوصول إلى الرعاية الصحية في غاية الصعوبة والمأوى من الرفاهيات.
وفي هذا السياق، ينتشر اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب على نطاق واسع بين الأشخاص المتضررين من النزاعات والنزوح. وبين العنف المستمر وفقدان المقرّبين والظروف المعيشية السيئة والنزوح المتكرر وتعطل الحياة اليومية، يتكبّد السكان آثارًا نفسية حادة، ومن بينها اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة الذي يتجلى في الكوابيس والقلق والاسترجاع الحي لذكريات الماضي.
هذا وقد ضاعف الزلزال الذي وقع في فبراير/شباط 2023 وما لحقه في أغسطس/آب 2024 من التداعيات النفسية التي لحقت بالناس في شمال غرب سوريا.
فارتفعت معدلات الانتحار بين المقيمين في المنطقة. وسجّل منسقو استجابة سوريا 37 حالة انتحار و21 محاولة انتحار منذ بداية عام 2024، ما يمثل زيادة بنسبة 14 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
هذا وقدمت أطباء بلا حدود الدعم إلى 11 شخصًا حاولوا الانتحار، معظمهم نساء تتراوح أعمارهن بين 20 و45 عامًا، بالإضافة إلى طفلين دون سن الخامسة عشرة.
تشكّل النساء 63 في المئة من مرضانا. وتعدّ الظروف المعيشية اليومية والعنف والمشاكل الأسرية من أبرز مسبّات الإجهاد التي يبلّغ عنها المرضى.
وفي هذا الصدد، تضيف رميزة ، "معظم المرضى الذين نعاينهم هم من النساء اللواتي يتأثرن بالصعوبات الاقتصادية ومحدودية الفرص واستمرار
العنف. وهذا الارتفاع المقلق يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاقتصادي لمعالجة هذه المشاكل".
الصحة النفسية والأمن والاستقرار
وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تواجه خطة الاستجابة الإنسانية في شمال غرب سوريا نقصًا حادًا في التمويل. فحتى أكتوبر/تشرين الأول 2024، لم يغطِّ التمويل إلا 26 في المئة من خطة الاستجابة في سوريا بعجز يصل إلى ثلاث مليارات دولار أمريكي في مختلف القطاعات الإنسانية. يُشار إلى أن قطاع الصحة وحده يواجه فجوةً هائلة في التمويل تصل إلى 471 مليون دولار مع تلبية 10.5 في المئة من الاحتياجات فقط.
يؤثر النقص في التمويل على توافر الخدمات الصحية الأساسية، وللأسف، غالبًا ما تكون الرعاية النفسية في آخر سلّم الأولويات، مع العلم أن نقصها يمكن أن يؤدي إلى مزيد من العنف وإلى تعاطي المخدرات وانهيار البنية الاجتماعية، مما يزعزع الاستقرار في المجتمعات الأكثر حاجة بشكل إضافي.
العنف ووصمة العار
تعاني الناجيات من العنف والإساءة في ظل صعوبة الحصول على الدعم النفسي لا سيما مع غياب نظام متكامل للدعم يشتمل على الأطر القانونية اللازمة، والتراخي عن اتخاذ الإجراءات المناسبة. وفي حين نشهد تغيّرًا في مواقف الناس تجاه قضايا الصحة النفسية، إذ أصبحوا أكثر ميلًا للتحدث عن تجاربهم وطلب المساعدة، يعمد الكثيرون إلى الاختباء خوفًا من الجناة أو من حكم المجتمع عليهم.
نسيم ورغدة هما زوجتان لرجل واحد، وتقصدان أحد المراكز الصحية التي تدعمها أطباء بلا حدود في شمال غرب سوريا للحصول على مضادات الاكتئاب نتيجة الإساءة الجسدية واللفظية اللتين تتعرّضان إليها منه. وتستخدم الزوجتان مرض أطفالهما كذريعة لمغادرة المنزل، إذ يمنعهما الزوج من استشارة الاختصاصيين النفسيين.
تقف هذه الوصمة عائقًا أمام المرضى الذين يودّون الحصول على الخدمات النفسية في المجتمع وتعقّد الأوضاع بشكل إضافي. فيمتنع الكثيرون عن طلب المساعدة بسبب نظرة المجتمع أو الخوف من الأحكام أو سوء فهم مشاكل الصحة النفسية.
يقول الدكتور أيهم الخطاب، وهو طبيب يعمل مع أطباء بلا حدود في شمال غرب سوريا، "تتمثّل إحدى التحديات التي تواجه قطاع الصحة النفسية في وصمة العار المرتبطة بالاضطرابات والعلاجات والأدوية النفسية. وفي مرافق أطباء بلا حدود، نحرص على حماية حرمة المرضى والحفاظ على خصوصياتهم".
هذا ويجري التشهير بالأدوية النفسية بشكل كبير، إذ يتخوّف الناس من الإدمان عليه، مما يمنعهم من طلب المساعدة من الأطباء والاختصاصيين النفسيين.
مقاربة شاملة على الصعيد النفسي والجسدي
تجمع أطباء بلا حدود بين الدعم النفسي وخدمات العلاج الطبي في شمال غرب سوريا، وتحرص على اقتران العلاج النفسي بالجسدي على الدوام. وتدير أطباء بلا حدود ثماني عيادات متنقلة في مخيمات النازحين بالإضافة إلى عيادات للأمراض غير المعدية في مركزين للرعاية الصحية الأساسية، علمًا أن الدعم النفسي يتوفّر للمرضى في العيادات المتنقلة كذلك.
وفي عام 2024، قدمت فرق أطباء بلا حدود خدمات الصحة النفسية لأكثر من 12,000 شخص في استشارات حضورية، كما حضر أكثر من 69,000 مريض الجلسات النفسية المخصصة للمجموعات.
وفي مستشفى العناية بالحروق في منطقة أطمة، تقدم أطباء بلا حدود الدعم النفسي والاجتماعي والمشورة الفردية والجماعية، فضلًا عن خدمات التثقيف النفسي التي تعد مفصلية للمرضى الذين يعانون من الإصابات البليغة والآلام والتشوهات.
هذا وتؤدي أطباء بلا حدود دورًا محوريًا في دعم تسع مساحات آمنة للنساء والأطفال. وضمن محافظتي إدلب وحلب في شمال غرب سوريا، تدير فرقنا أربعة من هذه المساحات الآمنة بشكل مباشر، مما يضمن توفّر الخدمات الأساسية، كما تتعاون مع المنظمات المحلية الشريكة لدعم المساحات الآمنة الخمس الأخرى.
تساهم هذه الجهود الجماعية في خلق بيئة آمنة للنساء والأطفال تعزّز من سلامتهم ورفاههم، إذ تتوفّر فيها أنشطة ترفيهية ومساعدة اجتماعية واقتصادية، بالإضافة إلى خدمات الإحالة للخدمات الضرورية على الصعيد النفسي والجسدي.
ويقول رئيس بعثة أطباء بلا حدود في شمال غرب سوريا، توماس باليفيه، "يعاني الناس في شمال غرب سوريا منذ سنوات نتيجة العنف والنزوح والحرمان. ويحتاجون إلى فرصة للتعافي من الجروح الجسدية، وكذلك مما تركته الأزمة من ندوب نفسية عميقة لا يراها أحد. الاستثمار في الصحة النفسية هو استثمار في مستقبل أكثر استقرارًا حيث يمكن للناس استرجاع حياتهم".
*غُيّرت الأسماء احترامًا للخصوصية